أبو نصر الفارابي

96

كتاب السياسة المدنية

ما ينبغي أن يعرفه أهل المدينة ليسعدوا ويحتاج في كل واحد من أهل المدينة الفاضلة إلى أن يعرف مبادئ الموجودات القصوى ومراتبها والسعادة والرئاسة الأولى التي للمدينة الفاضلة ومراتب رئاستها . ثم من بعد ذلك الأفعال المحدودة التي إذا فعلت نيلت بها السعادة ، وأن لا يقتصر على أن تعلم هذه الأفعال دون أن تعمل ويؤخذ أهل المدينة بفعلها « 1 » . ومبادئ الموجودات ومراتبها والسعادة ورئاسة المدن الفاضلة إما أن يتصورها الإنسان ويعقلها وإما أن يتخيلها « 2 » . وتصورها هو أن ترتسم في نفس الإنسان ذواتها كما هي موجودة في الحقيقة . وتخيلها هو أن ترتسم في نفس الإنسان خيالاتها ومثالاتها وأمور تحاكيها . وذلك شبيه ما يمكن في الأشياء المرئية كالإنسان مثلا بأن نراه هو نفسه أو نرى تمثاله أو نرى خياله في الماء أو نرى خيال تمثاله في الماء أو سائر المرايا . فإن رؤيتنا له تشبه تصوّر العقل لمبادئ الموجودات وللسعادة ولما سوى ذلك . ورؤيتنا للإنسان في الماء أو رؤيتنا تمثاله تشبه التخيل ، لأن رؤيتنا تمثاله أو رؤيتنا له في المرآة هو رؤيتنا لما يحاكيه . كذلك تخيلنا لتلك هو في الحقيقة تصورنا لما يحاكيها لا تصورها في أنفسها « 3 » .

--> ( 1 ) يسعد أهل المدينة إذا عرفوا مراتب الموجودات ومراتب المدينة الفاضلة ومعنى السعادة . ( 2 ) تتم المعرفة إما بالصور والتعقل وإما بالتخيل والمحاكاة . ( 3 ) معنى التصور ارتسام ذوات الموجودات في النفس كما هي في الحقيقة ، ومعنى التخيل ارتسام مثالاتها أو أمور تشبهها في النفس .